يشيع بعض الامهات أو الآباء جواً من الظلم والتفرقة داخل اسرهم فيكون لدى الام (أو الأب) طفل (واحد أو أكثر)تفضله على باقي ابنائها و ضحية (واحد أو اكثر) مغضوب عليه ، هذه الحالة موجودة داخل عوائل الامهات والاباء الذين تغلب عليهم النرجسية . وينتشرهذا النمط في التعامل مع الابناء خاصةً في المجتمعات المحافظة والمتخلفة، فالظلم والمفاضلة بين الابناء يتكرر ويستمرويعتبر طبيعياً بل من التقاليد والقيم الموروثة ولن يُفهم معنى وأهمية العدل، فذه هي سنة الحياة من وجهة نظرهم.

 ولاتساع هذه الظاهرة في مجتمعاتنا ولو بدرجات متفاوتة ، أصبح تشخيصها وتحديد اسبابها وفهم نتائجها ضرورياً للحد من آثارها الخطيرة على نفسية الابناء وتكوين شخصياتهم ومستقبلهم.

صفات الطفل الذهبي والطفل الضحية :

وكما يفهم من الاسم فالطفل المفضل أو الطفل الذهبي في نظر أمه هو الافضل والأروع،ويبدو أنها تختار هذا الطفل من بين أبنائها( وليس بالضرورة أن يمتلك صفة محددة) ليكون امتداداً لها ولشخصيتها فهو مطيع وسهل الانقياد ومن وجهة نظرها هو لا يخطئ أبداً لذلك تغدق عليه الافضل من كل شئ وقد تمنحه كل ما تستطيع الحصول عليه من ماديات…وتحتفل وتعظم ابسط انجازاته وتغض الطرف عن أخطائه وتسامحه.فتجعل منه شخصاً متطلباً أنانياً معتدياً متنمراً ومتسلطاً على من حوله.

ومن ناحية اخرى فالضحية كما يدل أسمه، تتمثل فيه كل الصفات السيئة من وجهة نظرها، فهو دائماً على خطأ وغير قادر على فعل أي شيء صحيح وتهمل انجازاته ومواهبه .ولا يحصل الا على الحد الادنى من الانفاق الذي لابد منه ببخل وشح فيصبح ذو شخصية ضعيفة ومهزوزة وربما حسوداً وحقوداً بسبب الحرمان والاضطهاد.

لماذا المفاضلة بين الابناء؟

هذا النوع من التربية يقوي سلطة الام (أو الأب)التي تفاضل بين ابنائها فهي تجعل ابنها الذهبي المطيع لاوامرها والخاضع لسيطرتها ولياً للعهد مفضلاً في كل شيء بدون وجه حق وبشكل مجحف،في حين تبقي ابنها الضحية ضعيفاً معتمداً عليها يسعى دائما لرضاها دون أن يحصل الا على القليل منه،هذا الوضع يسبب الكثير من الصدامات والعراك بين الاخوة وهو ما يخدم الام النرجسية.فهي تستخدم سياسة (فرّق تسُد) بطريقة تكتيكية وخفية وربما علانية وقد تشجع الابن الذهبي على التنمر والاعتداء والتسلط على أخوته باستمرار مما يزيد في الشقاق بينهم .

معاناة الطفل الضحية:

قد تعاقب الام الطفل الضحية على حسناته لانه سيهدم فرضيتها بأنه لا يصلح لشيء،فتعاقبه بشكل خفي ومتقن كي لا تبدو بمظهر سيء. كأن تقدم أعذاراً لتحرمه مما تعطي الاخرين.كمثال على ذلك : حين تسجله في دورة لتعليم الرسم مثلاً أو الموسيقى ، تجبره على تركها حين يبلغ مستوىً متفوق متذرعة بحجج مختلفة كعدم وجود الامكانية المالية للاستمرار بالانفاق عليه ، أو أن المكان بعيد أو أن المصعد هناك عاطل ، أو أنها تخاصمت مع المعلم وقد تتعلل بحجج اضافية اذا كان أخوه المدلل  قد سجل أيضاً في دورة تعليمية فيكون من ضمن الاسباب  أنها لن تتمكن من الانفاق على كليهما أو أن أخاه لديه درس في نفس الوقت ويصعب عليها ايصالهما في آن واحد فعليه أن يتخلى عن دروسه لصالح أخيه….وهكذا

 وقد يكون عقاب الطفل الضحية أكثرخفية فحين يقوم بعمل جيد أو يتفوق في مجال تغضب عليه وتعاقبه على أمر آخرلا علاقة له بالتفوق، كأن تأخذ منه لعبة أو تحرمه من نزهة لسبب لاعلاقة له بالتفوق ( بعد) حصوله مباشرة على درجة عالية أو تقدم أحرزه.وكلما كثرت هذه الوقائع والحوادث وتكررت سيتعزز لديه الاعتقاد في وعيه أو لاوعيه بأن أموراً سيئة سوف تحصل له بعد أن يقوم بعمل مرضي وسيبدأ بتخريب نجاحه ليحمي نفسه من عواقب النجاح. فهو سيفهم أن عليه أن يفشل ويتخلف ليحمي نفسه من العقاب الذي سيتبعه ( يجب التنبيه على أن هذه الرغبة بالفشل قد تصاحبه طوال حياته الا اذا استطاع أن يعي ويفهم ويمحو هذا التوجه).

 وربما يكون العقاب مربكاً كرد فعل والدته تجاه تفوقه ، فهي لن تقول ما يؤخذ عليها لكن ردة فعلها وتعابيرها تقول الحقيقة فهي غاضبة ، لان هذا الانجاز اثبت خطأ توقعاتها له.

 في بعض الحالات يكافأ الضحية على فشله بشكل غريب فيحصل على رضا والدته لانه حقق لها ما توقعته وربما يستمر على ذلك ليحصل على شيء بسيط من رضاها عنه . يتضح هذا السلوك لدى بعض العوائل حين تتم مكافأة أحدى البنات (الضحية)على فشلها الدراسي وحثها على ترك الدراسة وحتى العزوف عن الزواج لأبقائها مخصصةً لخدمة والدتها أو اسرتها ( وقد كانت هذه الحالة شائعة في الاجيال السابقة )، وبالرغم من تضحيتها وسعيها لارضاء والدتها فهي تبقى بالنسبة لها لا قيمة لها ولا شخصية ولا تستحق حياة خاصة بها ، في حين يتمتع باقي اخوتها واخواتها الذهبيين بحياة طبيعية ويحصلون على فرصهم في الدراسة والزواج مع رضا وفخر والديهم .

ولا يتعلق الامر بالبنت الضحية إذ قد يكون أحد الابناء هوالضحية فتشجعه الام أو الأب على ترك الدراسة وممارسة أي عمل وإن كان غير مناسب أو غير مجزي ،في حين تعظم ابنها الذهبي وتحثه على الدراسة والتفوق والحصول على الافضل في كل شيء. 

أما في المجتمعات التي يشيع فيها تعدد الزوجات ، فمن الطبيعي أن يصبح اولاد الزوجة الجديدة أوالمفضلة أو القوية هم الابناء الذهبيون للأب فيحصلون على كل شيء بلا جهد في حين يصبح أبناء الزوجة الأولى أو الضعيفة أو التي هجرها الأب هم الضحايا الذين يعاملون كعبيد فيحرمون من أبسط الحقوق كالنفقة والدراسة و يقع على عاتقهم عبء خدمة أبيهم واسرته الكبيرة بلا مقابل.

الحالة الصحية والنفسية للضحية:

يلاحظ وجود صفة مصاحبة للضحية وهي أنه مريض العائلة الدائمي وغالباً ما يقوم بهذا الدور عن عمد. فمن يكون مضطهداً ويعامل بلا انصاف طوال حياته ، ليس غريباً أن يعاني من اضطرابات نفسية وجسدية كانعدام الشهية أو السمنة المفرطة أوأحد أنواع الادمان أو عدم القدرة على التحكم بالغضب ، أو الاكتئاب أو التلعثم ..وغيرها من الاضطرابات النفسية .وهو ما يقوي فرضية الام النرجسية بأنه الابن الفاشل الذي لا يصلح لشيء.حتى أنه هو نفسه سيؤمن ويعتقد أنه سيء في كل شيء وحتى أمراضه تؤكد ذلك . فتصحبه أمه للأطباء ليجدوا له حلاً . وهنا أمامه طريقين :إما أن يعتقد الطبيب بكلام والدة الطفل وتقديمها لحالته فيعزز نظريتها بأنه مريض جسدياً أو نفسياً وبالتالي يؤكد عدم صلاحية الطفل وخيبته.أو أن ينظرالطبيب للطفل ويشخصه بعيداً عن كلام والدته ويحاول تصحيح فرضية الام وهو ما يعني تخطئتها . فتسرع الام الى الابتعاد عن هذا الطبيب واتهامه بالخطأ وبالطبع فسيكون الخاسرالاساسي هو الطفل الضحية.

هذا الابن يكون دائماً في موقف لا يحسد عليه ففي معظم الحالات يكون الظلم والاعتداء الواقع عليه خفياً فلا يمكنه الاستعانة بأحد لينصفه.

مستقبل الطفل الذهبي والضحية ؟

بكل الاحوال فاثار هذه المعاملة الظالمة وغير المنصفة من قبل الام أو الأب قد تصاحب الابناء طوال حياتهم فشخصياتهم وعلاقاتهم وسلوكهم قد تقولب منذ الصغر بشكل معين بسبب ذلك،وقد تغير مجرى حياتهم بشكل ملموس في الدراسة والعمل وفرص الحياة وبالتالي تؤثرعلى وضعهم المادي والاجتماعي ، مما يجعل التغلب على تلك الاثار صعباً لكنه ليس مستحيلاً .

فالابن الذهبي سيكون مشلولاً تحت سلطة والدته أو والده، غير قادر على الخروج الى العالم ولا يملك القدرة على الاعتماد على نفسه، مبتلع ومسيطرعليه من قبل أمه (أو أبيه)ومتعلق بها وحياته تدور حولها،فليس هناك سمات لشخصيته ولا يملك مشاعرأو آراء مستقلة عنها.فهو سيبقى لمدة طويلة أو مدى حياته دمية بيد والدته الأنانية (أو والده) فاذا استطاع يوماً أن يحتمل الانفصال عنها فسيكون ذلك مؤلماً ووقعه عليه أكثر ايلاماً من وقع انفصال الضحية عن امه.

اما الضحية فبإمكانه أن يصبح مستقلاً ويتجاوز محنته اذا استطاع أن يفكرويبحث عن الحقائق ويفهم شخصية أمه واضطراباتها.وسيبتعد ويتحرر من العلاقات المريضة داخل الاسرة ويفعل كل ما بوسعه لتكون حياته صحية ويشفى من الاكاذيب التي قيلت له عن نفسه منذ ولادته.وبالطبع لن يكون ذلك سهلاً فرحلته في الحياة ستكون شاقة لكنها ممكنة . فمعاناته ستجعله مندفعاً بقوة لتغيير واقعه ويتغلب على الصعاب وينجح في حياته بجهوده وسيصبح بالتالي أكثر قوةً ونضجاً ويتجاوز الظلم الذي عاناه ويصبح بامكانه أن يسامح والدته أو والده وأن ينظر لإخوته بمنظار جديد.

لذلك ففي واقع الحال وعلى المدى البعيد نجد أن الابن الضحية سيكون هو المحظوظ نسبياً وليس الابن الذهبي بالرغم من أنه لا يمكن وصف أي إبن لأم أوأب  ذو شخصية نرجسية بكونه محظوظاً .

 

تمت الاستعانة بالمصدر:

https://www.daughtersofnarcissisticmothers.com/golden-child-and-scapegoat

Advertisements