حين يتساءل المحيطون بالضحية عن سبب ارتباطها النفسي بالمعتدي، لن يجدوا جواباً فهي نفسها لا تفهم سر تعلقها به. فالارتباط المالي والاجتماعي  ووجود الاطفال دواع ٍحقيقية للاستمرار في العلاقة، لكنها ليست اسباباً للتعلق العقلي والنفسي به، فالسبب الحقيقي الوحيد لبقائها معه هو الخوف المغروس عميقاً بداخلها أنها لن تستطيع العيش بدونه، هذا الخوف عميق جداً ومتجذر في عقلها، لدرجة أنها تعترف وتدرك وجود الاعتداء والاضطهاد في علاقتها، وقد تتمنى موته لأنه جعل حياتها جحيماً وتعاسة، لكن فكرة الانفصال عنه تبقى خارج نطاق خياراتها. فالاضطهاد وغسيل الدماغ المستمر يشل عقلها وجسدها.

تقنية غسيل دماغ الضحية

يعتبر العالم النفسي روبرت ليفتون  من اوائل من شرح بالتفصيل مراحل عملية غسيل الدماغ والتحكم بالعقل التي يتبعها لمعتدي المتسلط مع ضحيته التي يسيطر عليها. حيث وجد انها تنطبق على اسرى المعتقلات والسجون واتباع الطوائف الدينية المتطرفة كما تنطبق على ضحايا العنف الزوجي والاسري. والغرض من غسيل الدماغ هو القضاء على الشخصية الاصلية للضحية واستبدالها بأخرى جديدة تلائم افكار وقيم ومعتقدات المعتدي المتسلط. ويدوم تأثيرالعملية التي تستهدف تحطيم وتدمير الضحية وربطها بالمعتدي وضمان ولائها له حتى بعد انتهاء العلاقة المسيئة بفترة طويلة. لذلك نرى الضحية عاجزة عن العمل أو إعالة نفسها واولادها وغير قادرة على التفكير المنطقي والايجابي بعد تخلي المعتدي عنها أو موته. فتبقى مكبلة بالافكار التي غرسها فيها وعاجزة عن الاستمرار في الحياة بدونه.

تعريف غسيل الدماغ؟

هو عمل ممنهج للقضاء على ولاء ومعتقدات الفرد واستبدالها بولاء لافكارأو سلطة جديدة. وتتضمن عملية غسيل الدماغ عدة تقنيات لتحقيق الطاعة المطلقة والاذلال تشمل العزلة وقطع مصادر القوة والمعلومات والعلاقات واستخدام الضغوط الاجتماعية والمكافآت للحث على التعاون، والعقوبات الجسدية والنفسية في حالة عدم التعاون، كالنفي والعزل والتخطئة والحرمان من الطعام والنوم والاتصالات الاجتماعية، وقطع الروابط ووسائل التقوية والتعزيز، واستخدام انواع التعذيب. هذا التعريف ينطبق تماماً على العنف والاضطهاد الزوجي.

كيف يتعلم ويتقن المعتدي اساليب غسيل الدماغ فطرياً؟

لا يملك المعتدي المشاعر التي نعتبرها طبيعية. فبسبب تعرضه في طفولته للاضطهاد أو ربما بسبب اضطراب عقلي لديه ينفصل عن مشاعره بسن مبكرة. فيستبدل (الاحساس) ب(مراقبة) و(تقليد)سلوك الاخرين. وبهذه الطريقة يصبح المعتدي خبيراً في السلوكيات بلا دراسة.

فهو يعرف ما يفيد ومالا يفيد في التلاعب بالضحية وجعلها تفعل ما يريده منها. ولانه قد انفصل عن مشاعره فهو لا يشعر بالذنب لافعاله المتلاعبة. وهذا على الاغلب هو السبب الذي يجعله لا يشعربالمسؤلية تجاه الاعتداءات التي يقوم بها أو حتى الاعتراف بقيامه بالاعتداء والندم على افعاله. فهو لا يدرك وقوع أي خطأ وقد ينظر الى خوف ودموع الضحية كأستعراض تقوم به للتلاعب به والتأثير عليه فلا يؤثر فيه ولا يعجبه. وباختصار فتقنيات غسيل الدماغ التي يقوم بها المعتدي بشكل طبيعي سببها أنه ليس في عالمه سوى نصب الفخاخ والايقاع.

مواصفات الضحية التي تخضع لغسيل الدماغ

أفضل أنواع الضحايا لممارسة غسيل الدماغ هي التي تملك صفاتٍ معينةٍ مثل

  • الشخصية المهووسة بالكمال والاتقان والضبط أو
  • التي تضع نفسها ضمن معاييرعالية أو
  • الشخصية المثابرة والمجتهدة أو
  • ذات مورد أو ثروة أو
  • الشخصية التي تضحي بنفسها أو
  • انها ضحية سابقة للاعتداء أوالاهمال أو
  • لها قابلية الاتكال أو
  • زيادة الحساسية وسهولة الجرح أو
  • قلة التمكن والجدارة.

فاذا كنت في علاقة اضطهادية ولم تشخصي نفسك ضمن النقاط السابقة، حاولي أن تتذكري صفات شخصيتك عندما كنت في بداية العلاقة مع المعتدي.

تتضمن عملية غسيل الدماغ هذه الخطوات والمراحل

الخطوة الاولى إهانة الضحية

يبدأ المعتدي بمهاجمة الضحية في صميمها، فيجعلها تشكك بقيمتها وهويتها كأن يقول لها انتِ عاهرة، انتِ عديمة القيمة، انتِ لستِ اماً جيدة، انتِ قبيحة ولا احد يرغب بكِ. هذه الهجمات يكررها باصرار لمدة طويلة قد تستغرق سنوات، وتكون نتيجتها أن الضحية تتحطم وتصبح مرتبكة ومشوشة وتشكك في كل الحقائق التي تعرفها وتؤمن بها، وتبدأ تدريجياً بالاعتقاد بالتهم الموجهة اليها وتتبناها.

الخطوة الثانية الذنب

يعبرالمعتدي عن ألمه واستيائه من الضحية بشكل يجعلها تشعربالذنب. فهو ينتقدها لأي سببٍ وحتى بدون سبب. فيقولهذا خطؤك انتِ. أوانتِ جعلتيني افعل ذلك. فيستغل المعتدي موقفاً بسيطاً ويتصنع تعظيمه والمبالغة فيه. و ينقل مسؤليته عن تصرفاته الى الضحية، أو تبرير سلوكه بوضع اللوم عليها، كأن يقول لها لو انكِ لم تردي علي، لم أكن لأضربكِ. فهو يجعل الضحية تشعر بالذنب لعدم مسايرته، أوعدم قدرتها على ارضائه. فتؤمن أنها كانت تستحق العقاب أو أن الاعتداء كان نتيجة عمل قامت به فتبرر سوء معاملته لها. وهذا الاحساس المستمربالخطأ والذنب يحطمها ويتحول الى عار و خزي داخلي يقضي على ثقتها بنفسها وتقييمها لذاتها.

الخطوة الثالثة خيانة الذات

عندما يغلب ويطغى على الضحية الشعور بالذنب والعار من كثرة وعظمة اخطائها تبدأ بالتخلي عن حاجاتها الذاتية وتتنازل عن سعادتها وحقوقها. كما أن التنمر المستمر يدفعها لقطع اتصالاتها مع العائلة و الاصدقاء الذين يتشاركون معها في الافكار والمصالح. فتبدأ عزلة الضحية باقناع المعتدي لها أن الاصدقاء والاقارب يخربون علاقتهما، ويضع اللوم عليهم في التسبب بالمشاكل في ما بينهما. خيانة الضحية لنفسها والتضحية بسعادتها  وتخليها عن الذين كانت ترتبط معهم بالحب والولاء وهجرها لهم، يزيد من احساسها بالذنب والعار، ويقضي على ما تبقى من تقييمها لذاتها. ونتيجة لذلك تصبح معزولة أكثر و اتكاليةً أكثر على المعتدي المسيء.

المرحلة الرابعة الانهيار

في هذه المرحلة تصل الضحية للانهيار فتعاني من الاكتئاب ونوبات البكاء والانهيار العصبي والنفسي، و نوبات من الخوف والهلع المنطقي وغير المنطقي. ففي لا وعيها، لن يعود بوسعها أن تعرف نفسها، فهي لا تدري من هي وقد فقدت كل شيء، حتى أنها تفقد الاحساس بالواقع وتحس بالرعب من تدميرها الشامل لشخصها. وتعتبر هذه المرحلة نقطة الانهيار بعد فترات طويلة من القلق الحاد المستبد والاكتئاب والتوتر يقودها الى اليأس، والضعف والاعياء والاستنزاف وعدم القدرة على التفكير العقلاني.

المرحلة الخامسة اللين والتساهل

عندما تصبح الضحية غير قادرة على تحمل المزيد، يلين المعتدي. فيقوم بافعال بسيطة تدل على الكرم والاحسان للضحية وسط الاعتداءات النفسية، مما يجعلها تشعر بامتنان عميق تجاهه بقدر غير متناسب وغير منطقي كلياً، بسبب انحراف قدرة الادراك والفهم لدى الضحية، هذا العمل البسيط ينقل مشاعرها الى الاحساس بالراحة والتقدير. ولان اعمال الاحسان البسيطة هذه تكون نادرةً ومتباعدة، فانها ستكون مبجلة ومفخمة من قبل الضحية بالرغم من كونها بسيطة وتافهة كتقديم قدح ماء أو مديح لها يقودها للتعلق بأمل كاذب، يجعلها تتفانى في السعي لارضائه أملاً بأن يكرراحسانه لها. هذه الخطوة هي ذاتها ما تسمى بمرحلة شهر العسل في دورة العنف الاسري التي شرحناها في مقال سابق.

المرحلة السادسة تقديم التنازلات كرد للجميل

حين تصبح الضحية ممتنة لاحسان المعتدي، فانها ستشعر بواجب رد الجميل للمعتدي، وكأن الأذى الذي سببته للمعتدي مقارب للأذى الذي يسببه لها، فهي تعلم أن لا شيء يسعد المعتدي أكثر من مجاراته وتأييده على اعتداءاته عليها، فهي تعترف بأنها كانت على خطأ وما كان عليها أن تزعجه أو تعاكس رغبته. فتقدم له تنازلات إضافية عن حقوقها وتمنحه سلطات اضافية بطيب خاطر. فتؤيده في انتقادها وتخطئتها. وتحاول أن تعثر على اخطائها وتحاول ازالتها تماماً من كل جزئية من حياتها، وتحاول اكتساب افكار وقيم زرعها المعتدي كي تنال رضاه وعطفه. وفي هذه النقطة تقبل الضحية أن تقول أي شيء كي تحصل على لحظات من الرفق بها والتسامح معها.

المرحلة السابعة توجيه الشعور بالذنب

احساس الضحية الغامر بالذنب والخزي يمتزجان مع اهانتها وتحقيرها والاتهامات المستمرة بلا مبرر أودليل يسبب ارباكاً كبيراً للضحية. فتؤمن بمرور الوقت بأن كل ما تفعله أو تقوله خاطئ لكنها لا تدري بشكل محدد ما الخطأ الذي فعلته، كل ما تعرفه أنها دوماً على خطأ. فتحس بالذنب تجاه ما هي عليه والافكار التي تحملها. مما يخلق في عقلها سجلاً فارغاً يستخدمه المعتدي ليربط الذنب بأي فكرة يرغب باستبدالها.

لكن ردود افعال المعتدي التي لا يمكن التنبؤ بها تسبب الاذى والضرر للصحة العقلية للضحية وثقتها واحترامها لذاتها. فقد يكون له رد فعل متطرف تجاه أمر ما، وفي اليوم التالي يكون رد فعله معاكس  تماماً، فيسبب لها الكثير من القلق والتوتروالخوف.

المرحلة الثامنة الشخصية الجديدة

تستمر عملية غسيل الدماغ فتمحو الضحية  شخصيتها القديمة بالكامل وتصبح شخصية جديدة ترضي المعتدي وتكف أذاه عنها. اذ تستنتج الضحية أن الافكار الخاطئة التي نشأت عليها وآمنت بها هي السبب في ارباك حياتها فتعترف امام المعتدي بتخليها عن كل شيء وتبنيها لرغباته وتوجيهاته. حتى تصل الى مرحلة اللاعودة حين تصبح جزءاً أو نسخة منه وتكون قد قضت على علاقاتها السابقة وافكارها القديمة، وتخلت عن كل مقومات القوة والكيان التي كانت تملكها واصبحت شيئاً يمتلكه.

وقد لوحظ أن عملية غسيل الدماغ في حالات العنف الاسري تكون متواصلة إذ تستمر الخطوات بالتكرار. وفي اللحظة التي يحس فيها المعتدي أن الضحية ستفلت من يده فانه سيعود للخطوة الاولى باهانتها، ويعيد الخطوات كلها من جديد. وتستمر الضحية بالاعتقاد بافكار المعتدي حتى بعد خروجها من بيئة العنف والاعتداء، فافكاره قد تجذرت عميقاً في نفسها وسوف يستغرق التغيير سنين طويلة.

واخيراً

يجب أن لا نفقد الأمل. فالاعتداء والاضطهاد ينمو في التكتم والسرية. فاذا كنت تريدين الشفاء من علاقة مسيئة، اعلمي أن اهم شيء تفعليه هو أن تسامحي نفسك وأن تجدي من يساندك. وأكثر طريقة فعالة في الخروج من ظلمة الشعور بالذنب والخزي هي كشفها للنوربالتحدث عنها فالمشاعر المؤلمة تزداد في الظلمة والوحدة.

المصادر

http://www.healthyplace.com/blogs/verbalabuseinrelationships/2012/06/brainwashing-abusive-relationships/

http://msmagazine. com/blog/2016/05/11/8-steps-that-explain-why-women-stay-in-abusive-relationships/

 

 

Advertisements