النرجسية تعني انتفاخ كيان الشخص واحساسه بالعظمة، وانه مميز ويجب على الاخرين معاملته بشكل خاص، وهو لا يهتم للدفء والعاطفة في علاقاته، ويستأنس بوجود الناس حوله ليهتموا به وقد يتميز بالظرافة والتملق والحماسة لكن العلاقات التي يرتبط بها تكون لخدمة نرجسيته. وقد يمضي الكثير من الوقت والجهد ليقوم باعمال تجعله راضياً عن نفسه داخلياً وامام الاخرين ليشحن غروره. ويكثر من التفاخر ويدير كافة الحوارات تجاه انجازاته، ويحاول أن يرتبط بذوي الاهمية والشهرة، ويسعى للحصول على الافضل والاحدث في كل شيء، ويخون ثقة الاخرين به واإتمانهم. وحين لا تسير الامور وفق رغباته ومصلحته فانه يغضب وقد يصبح عنيفاً. وبشكل عام فالشخص النرجسي يكون تواجده ظريفاً لفترة قصيرة ودون احتكاك مباشر به لكنه شخص مروع عند العمل معه أو الارتباط به بعلاقة قوية ولمدة طويلة.

كيف نعرف وجود وانتشار وباء النرجسية في المجتمع؟

يتضمن التشخيص عمليتين:

الاولى هي ملاحظة انتشار زيادة الصفات النرجسية لدى افراد المجتمع.

والثانية هي تغير القيم والمعتقدات والسلوكيات في المجتمع بشكل عام. ويمكن اعتباره انتشاراً وبائياً عندما يؤثر على الافراد بشكل اكثر من المتوقع.

احصائيات

هناك عدة احصائيات تظهر زيادة النرجسية لدى البشر، فالطلاب مثلاً يقرون بوجود صفات نرجسية لديهم أكثر مما كان لدى الطلاب في سنهم في الثمانينيات والتسعينيات. وفي احصائية شملت عينات مختلفة لوحظت زيادة هذه التغييرات بشكل متسارع بعد 2002.

كما اجريت احصائيات على الانترنيت شملت نماذج من اعمار مختلفة، أظهرت زيادة معدلات النرجسية لدى الشباب بنسبة أعلى مما لدى كبار السن.

وربما كانت من اكثر الاحصائيات المقلقة هي دراسة اجريت في 2005 في الولايات المتحدة على عدد واسع ونماذج عشوائية وجدت أن 1 من 10 من الشباب في العشرينات أظهروا نرجسية مرضية شديدة وبحاجة للعلاج. في حين كان 1 من 30 ممن هم فوق ال64 سناً  قد مروا خلال حياتهم بتجربة نرجسية، بالرغم من أنهم قد عاشوا 40 سنة اكثر ممن هم في العشرينات وكان لديهم وقتاً طويلاً وتجارب حياتية اكثر قد تعرضهم للاصابة بهذا الاضطراب مما يستوجب وجود نسبة اكبر لديهم من الشباب.

وبالنسبة للاشخاص العاديين فيمكن ملاحظة زيادة واضحة لكنها ليست هائلة في الصفات النرجسية لديهم إذ يمكن القول أن الشخص العادي الان أكثر نرجسية عما كان قبل 15 سنة. أما النوع المرضي من النرجسية فانه قد ازداد بنسبة 3 أضعاف عما كان عليه مما يعني وجود عدد اكبر بكثير من الاشخاص الذين يتميزون بنرجسية عالية  في الوقت الحاضر أكثر مما كان عليه قبل عقد أو عقدين من الزمن. وهذه النسبة يلاحظها المعلمون والاساتذة في تعاملهم مع الطلاب خلال فترة طويلة.

كما أن هناك اختلاف ملحوظ  في الاحصائيات ضمن مجموعة النساء يجدر التنبه له ، إذ تتفق معظم الاحصائيات على زيادة النرجسية ضمن فئة الفتيات والنساء بشكل كبير في الوقت الحاضر مقارنة بالماضي. وبالرغم من استمرار احراز الذكور لمتوسط معدلات اعلى من الاناث في الصفات النرجسية، لكن تصاعد النرجسية لدى النساء والفتيات يقربهن من معدلات الذكور في كثير من المجتمعات.

تنبيه: حين تذكرالابحاث والاحصائيات الصفة النرجسية فهي تعني وجود بعض الصفات النرجسية لدى الفرد، والتي قد تتواجد لدى احدٍ ما أكثر مما لدى غيره ولا يقصد بها النرجسية المرضية، التي تتضمن مستوىً مرتفعاً من  النرجسية وسمةً مميزةً للشخص وموثقة بشكل لا يقبل الخطأ وعلى مدىً طويل وتسبب اضراراً ومشاكل للشخص ولمن حوله، وهذه الشخصية لا يستطيع تشخيصها ومعالجتها الا ذوو الاختصاص.

بعض الاشارات الدالة على انتشار وباء النرجسية في ثقافة المجتمع 

هناك مدى واسع من الاعراض التي تظهرعلى سلوكيات المجتمع. منها :

  • زيادة المادية وحب المال والحاجات وتعظيمها وجعلها غاية وليست وسيلة.
  • حب الظهور والرغبة بالسلطة والحصول على المناصب.
  • العنف العلني والعدوانية والشراسة والاساءة للاخرين.
  • الاعتقاد والرغبة بالاستعلاء على الاخرين.
  • الرغبة بالتفرد والاعتقاد بانه لا نظير له.

وهناك الكثير من الملاحظات الملموسة منها:

  • زيادة معدلات عمليات التجميل وتغيير الشكل للظهور بمظهر افضل.
  • زيادة القروض والديون والفساد المالي لتوفير متطلبات الظهور بمظهر الثراء.
  • زيادة استخدام ال(أنا) على عناوين الشبكة المعلوماتية.
  • برامج ما يسمى بتلفزيون الواقع حيث تتابع الكاميرا الحياة اليومية بتفاصيلها لنجوم البرامج.
  • كلمات الاغاني التي تغيرت من الحب والشوق الى الانتقام والاساءة والتكبروالاستغناء.
  • صور السيلفي في كل المناسبات ونشرها على الفيسبوك والانستاغرام والتشبه بالمشاهير.
  • السعي لزيادة عدد الاصدقاء والمتابعين على شبكات التواصل والحصول على الاعجابات.

الاثار المترتبة بناءا على انتشار وباء النرجسية

على المستوى الفردي يمكن القول أن شبكات التواصل الاجتماعي قد لعبت دوراً كبيراً في إذكاء نرجسية الشباب حيث سببت للكثيرين منهم اوهام الشهرة والعظمة، وسهلت عليهم الاعتداء والاساءة للاخرين بنشر تعليقات مسيئة وعدوانية تجاه بعضهم، مما زاد من حدة وشراسة ظاهرة التنمر وجرائم الكراهية.

أما على مستوى المجتمع فيمكن رؤية الاثار المدمرة المترتبة على انتشار هذا الوباء بين البشر، في انتشار الفساد الاداري والمالي لدى الحكومات والموظفين بشكل عام، وانهيار النظام القضائي وسلطة القانون وانعدام الخدمات الاساسية والبنى التحتية وانتشار الجريمة بكافة انواعها في كثير من بقاع العالم التي تستشري فيها ظاهرة النرجسية لدى افراد المجتمع.

أما عالمياً فيمكن للمتتبع للاحداث في العالم أن يلاحظ كثرة الحروب والفوضى والازمات الاقتصادية المتلاحقة، حيث ترجع اسبابها لغرور اصحاب المال والسياسة وجشعهم وانانيتهم وتهورهم ولا مبالاتهم بارواح وممتلكات الاخرين بقدر الاهتمام بعظمتهم وزيادة امتيازاتهم، وبكلمة اخرى نرجسيتهم العالية.

 كيف وصلنا لهذه الحالة من انتشار النرجسية؟

لا يمكن الاشارة لسبب واحد محدد ادى لما وصلت اليه المجتمعات، من انتشار وباء النرجسية، انما يمكن الاشارة لبعض العوامل التي اسهمت في نشر هذا الوباء.

فالاعجاب بالنفس يعتبر حالياً في الثقافة العالمية من ضروريات النجاح في الحياة. هذه الفكرة بدأت في السبعينيات من القرن الماضي واصبحت مؤثرة بشكل اكبر عندما انتشرت حركة تعظيم الذات بعد ذلك في الثمانينيات والتسعينيات، مما جعلها في الوقت الحاضر اساساً ثابتاً للوصول للنجاح. فنجد الاعلانات ودورات التدريب والتثقيف تعتمد على مبدأ 😦 يجب أن تحب نفسك قبل أن تحب الآخرين) وحتى في أغاني الاطفال في الحضانات (أنا مميز انظر الي أنا جميل ).

فاساس النرجسية هو الفكرة الخيالية الوهمية بأنك أفضل مما أنت عليه، وأفضل من كل من حولك. لذلك كان كل ما يسمح بنمو هذه الفكرة الكاذبة المزيفة للواقع فهو يحث على نمو وازدهار النرجسية. كمثال على ذلك : وسائل التواصل الاجتماعي التي تسمح للشخص بصنع صورة كاذبة له لغرض الوصول للشهرة والحصول على الانتباه. كذلك وجود بطاقات الائتمان المالي التي تسمح للشخص بالانفاق والاستدانة للظهور بمظهر الغنى، تضخم معدلات الدرجات في المدارس يسمح للطلاب بالاعتقاد بانهم افضل مما هم عليه في الواقع، كلها امثلة لحالات تسمح بنمو النرجسية.

واخيراً فتأثير المشاهير وثقافتهم وطريقة حياتهم لا تبدو في نظر المجتمع مقبولة فحسب إنما مطلوبة ويقتدى بها، فاخبارهم وتفاصيل حياتهم تنتشر في وسائل الاعلام، وهي على الاغلب اعلانات لنشر نمط الحياة النرجسية.

كيف تؤثر النرجسية الوبائية على الجميع

قد لا يتأثر كل أفراد المجتمع بنفس الدرجة، لكن من الواضح أن النرجسية الوبائية قد استقطبت حتى الاشخاص الغير نرجسيين، مثلاً : الى وقت قريب كانت عمليات التجميل كجراحة الانف أو شفط الشحوم أو التكبير أوالتصغير مقتصرة على المشاهير في حين أصبحت هذه العمليات اليوم تتغلغل تدريجياً لتشمل النساء البسيطات بل وحتى الرجال.

بالاضافة الى أن معظم الناس في الوقت الحالي يعانون بشكل يومي من ملابسات وصعوبات التعامل مع اشخاص نرجسيين سواءاً كمدراءٍ أو زملاءٍ في العمل أو أصدقاءٍ أو أفرادٍ مقربين ضمن الاسرة الواحدة وحتى شركاء حياة.

فالوباء قد شمل معظم الناس في المجتمع، ولم يقتصر على طبقة دون أخرى وشمل كل الاعراق والاديان كذلك، فهو ينتشر بقوة في كل انحاء العالم دون تمييز.

اضرار النرجسية على صاحبها

تؤثر الصفات النرجسية لدى الفرد سلباً على المحيطين به كالذين يرتبطون به بعلاقات عمل أو علاقات عائلية. وتكون هذه الصفات ذات فائدة نفسية وعملية لصاحبها على المدى القصير فهو يشعر بالاستعلاء وانه افضل من الاخرين مما يجعله ينجح في كثير من المواقف التي تستوجب جرأة وثقة عالية بالنفس، لكن مشاكل سلوكياته تثمر بعد حين، حيث تنهار علاقاته الاجتماعية ويصبح مكشوفاً ويفشل في عمله بسبب تهوره وثقته الزائدة وعدم اعترافه باخطائه واتهام الاخرين بالتسبب فيها.

 هل بالامكان اصلاح وتغيير الشخص النرجسي؟

بشكل عام هذا غير ممكن، فهو لا يقبل بالتغيير ولا يريده. اذ انه يحب التلاعب والتحكم بالاخرين لا ان يتغير، فالنرجسية غير قابلة للتغيير.

فهو يعتبر جذاباً لاول وهلة ويمتلك صفاتاً ظاهريةً جيدة، لانه واثق من نفسه وغير متحفظ وظريف ومثير للحماس، بعد ذلك يكون متحكماً ومغروراً ومتلاعباً وخائناً وحتى عنيفاً ومعتدياً. فعندما تكون العلاقة في بدايتها معه فان صفاته الحسنة هي التي تظهر عليه، ولا تظهر سيئاته الا فيما بعد. وقد تتساءل ما الذي فعلته ليتغير سلوكه معي ؟ في الحقيقة لا شيء فهذه هي طبيعته.

 

المصدر:

http://www.narcissismepidemic.com/aboutbook.html

 

 

 

Advertisements