تعاني الكثير من العوائل من مشاكل كبيرة يكون المسبب الرئيسي فيها هو الاب او من يقوم مقامه بسلوكه الاناني والعدائي تجاه زوجته واولاده والذي يمثل نمطا سلوكيا متكرراً عاماً يشمل الذكور في ذلك المجتمع ويعتبرمن القيم الاخلاقية المتوارثة التي تميزهم ويعتزون بها ويفتخرون بتمسكهم بها.

وقد يستغرب البعض هذا السلوك العدائي للاب ومشاعر الكره والانتقام التي تتركزعلى زوجته واولاده دون غيرهم، وبلا جرم او خطأ بدر منهم. في الحقيقة انه يفتقد مشاعر الحب والحرص عليهم. ويعتبرهم عبئاً ثقيلاً ومقيتأ لذلك يمارس تجاههم مختلف انواع الاساءات  اللفظية، والجسدية، والنفسية، وحتى الاجتماعية، كالتشهير والاتهام الباطل، ويحاول الحاق الاذى بهم بكل الطرق الممكنة وتحطيمهم نفسياً ومادياً وحتى عقلياً واجتماعياً ومنع حصولهم على فرص التطور والتقدم في الحياة والاعتماد على النفس، كل ذلك دون إنكار من المجتمع أو محاسبة من السلطات. وقد يصل هذا السلوك لدرجات قصوى فنرى ونسمع يوميا عن جرائم تعذيب واغتصاب وقتل للاطفال والفتيات، وما يسمى بجرائم الشرف او غسل العار، والتي هناك نسبة غير قليلة منها ليست سوى جرائم اغتصاب للفتيات من قبل الاباء اوغيرهم من الذكور في الأسرة، ثم قتلهن من بعد ذلك.

ما يعزز هذا السلوك العدائي تجاه افراد العائلة ويجعله شديدا هو الزوجة الضعيفة الجاهلة التي تنتمي لنفس البيئة، فلا تجده مستهجناً ولاتعارضه، ففي هذه البيئة تربى الفتاة على تقبل الاضطهاد والاساءة وحتى العنف من قبل الذكور، بل تعتبرها امراً لا بد منه. فتصبح في هذه الحالة معينة له على ظلمه واعتدائه عليها وعلى ابنائها، وتصبح العائلة بيئة مثالية لممارسة كافة انواع الاساءات دون رادع، أو أي معارضة تجاه تلك الإساءات، فالاب يمارس حقه الطبيعي في فرض سلطته على افراد اسرته، وهو حق يكفله العرف والقانون ولا يستطيع أحد محاسبته اوالاستعانة بأحد عليه لوضع حد لعدوانه.

سمات هذا النمط السلوكي لدى أب الاسرة أو من يقوم مقامه وأثاره المستقبلية:

  • يكره زوجته واولاده ويتمنى لهم السوء والمصائب ويصرح بذلك. مما يسبب لهم اضطرابات نفسية كثيرة منها الخوف والقلق وعدم القدرة على اظهار الحب والأحاسيس.
  • يستخدم مختلف انواع الاساءات والاعتداءات تجاههم كالسب والشتم والاهانات وقد تكون مبطنة بشكل دعابات كالاستهزاء والسخرية واطلاق الالقاب المهينة، وعزلهم اجتماعياً عن الاخرين باطلاق التهم الباطلة والشائعات المشينة عنهم. فيفقدون الثقة بالاخرين، وقد يسلك بعضهم كضحية طول حياته في علاقاته، او يصبح بعضهم الآخر معتدياً عنيفاً، لظن كل منهما أن ذلك السلوك هو الاصح.
  • يقلل من قيمة اعمالهم وانجازاتهم في الحياة ويستخف بها. مما يفقدهم الثقة بانفسهم وبانجازاتهم، فيستخفون بكل شيء، ليصبحوا اشخاصاً ضعفاء لا مبالين خاملين ولا يجدون في داخلهم الرغبة والهمة لكي يتقدموا ويطوروا ذواتهم. فخيبات الامل والاستهانة بهم تركت بصمتها التي لا تزول عليهم، ومن النادر ان يجد احدهم القوة للوقوف والاعتماد على نفسه.
  • يظهر سلوكاً عدوانياً عنيفاً وسادياً تجاه افراد اسرته كلما سنحت له الفرصة وبشكل مبالغ فيه لغرض اخضاعهم وتخويفهم. هذا السلوك يجعل منهم اشخاصاً ضعفاء لا رأي لهم، ولا موقف ثابت، فهم قد نشأوا في بيئة يسودها الخوف والظلم والاعتداء.
  • قد يتسم صاحب هذا النمط السلوكي بظاهرة أخرى وهي أن يُنفق دخل العائلة على ملذاته وشهواته الشخصية وقد يُبذر بشكل غير مفهوم ويمنح المال لمن لا يستحقه في الوقت الذي يبخل على زوجته واولاده ويحرمهم من ابسط حقوقهم، فيعيشون في حالة فقر وعوز لا يفهم سببه الاخرون، ومن جهة أُخرى فإن تسلطه عليهم مدى الحياة لا يمنحهم الفرصة لتحسين اوضاعهم، فهو يفرض على افراد الأسرة إطاعة اوامره وتنفيذها للحصول على مرضاته أو على الاقل لكف اذاه عنهم.
  • قد يحمل افراد عائلته واجبات تفوق قدراتهم وقابلياتهم، ويجعل حياتهم سلسلة من الاوامر الشاقة فإذا عجز احد عن تنفيذها تسلط عليه بسوط الاساءات النفسية واللفظية، فيفقدون القدرة على التفكير والتطور والاختيار، فهم مدربون على إطاعة الاوامر الجاهزة دون تفكير أو تذمر.
  • في المواقف التي تتطلب من احد من افراد اسرته إختياراً، يكون هو صاحب القرار في الاختيار ولن ينازعه صاحب الشأن سواءاً كان بخصوص الدراسة أو العمل أو السكن أو الزواج. فيفرض عليهم حياة لم يختاروها لانفسهم، ويضطرهم لتحمل نتائج اختياراته لهم طول حياتهم .
  • قد يحرم ابناءه وبناته من التعليم لمختلف الاسباب وفي اي مرحلة هو يقررها، ليشغلهم بسن مبكرة أو يزوج بناته في سن صغيرة للتخلص من الانفاق عليهن، دون ان تهمه عواقب قراراته على حياتهم ومستقبلهم. فيبقى ابناءه في حالة جهل وتخلف وحياة شاقة وزيجات فاشلة قد تنتهي بالطلاق والتشرد. كل تلك التبعات لسلوك هؤلاء الاباء وقراراتهم تقوض بناء المجتمع وتمنع تطوره.
  • يمارس سياسة عدم الانصاف بين ابنائه الذكور، فهو قد يختار من بينهم من يظن فيه الطاعة المطلقة له، فيميزه عن إخوته بالعطاء ويمنحه السلطة عليهم فيجعل منه ولياً للعهد، هذه التفرقة وعدم المساواة بين الاخوة تقضي على الحب والمودة بينهم الى الأبد، فيسود بينهم الكره والعداوة التي قد تصل احيانا لمراحل انتقام وعنف خطير.
  • قد يمارس سياسة تفضيل الذكور على الاناث، فتتربى البنت على الاحساس بالدونية والنقص ويعطي الحق لنفسه ولاولاده الذكور بفرض سلطتهم عليها بشتى الطرق، فتختفي المودة بينهم. كما انه قد يحرمها من الدراسة أو الاستمرار فيها كي لا تملك ما تتقوى به، فتبقى ضعيفة مغلوبة على امرها لا رأي لها، جاهلة وغير قادرة على اعالة نفسها او اسرتها، تنغرس في نفسها امورتزيدها ضعفا ومهانة: انها اقل مكانة من الذكوروسبب للخزي والعار، فلا يسمح لها بالخروج من البيت اذ لا يوثق بتصرفاتها وتتهم بارتكاب افعال مشينة ومخزية، ولا يسمح لها باتخاذ قرار أو امتلاك شيء. وغالبا ما يقوم هذا الاب بتزويج ابنته في سن صغيرة، بعد ان يختار لها زوجاً بنفسه، ليتخلص من عبئها، فاذا طلقت، وضع اللوم عليها دون تقدير لصغر سنها وعدم قدرتها على القيام بواجبات الحياة الزوجية نفسيا وبدنيا ، كما ان زواجها وحملها في سن مبكرة يعرضها لمخاطر صحية ونفسية كبيرة.
  • قد يعتدي هذا الاب او من يقوم مقامه على افراد الاسرة دون أن يبدر منهم معارضة له، فهو بحاجة مستمرة لاثبات سلطته، فيمارس انواعا قاسية من الاعتداء تجاه افراد ضعفاء كي يخيف ويردع الاخرين. وفي حالات تطليق زوجته فان هذا الاب سيسعى لأخذ اولاده من امهم تنكيلا بها وبهم، فاذا وقع تحت ضغوط نفسية أو مادية أو اجتماعية، فانه لن يتردد في تعذيبهم والتخلص منهم.

 

علاقته مع زوجته

  • عدائي ويعاملها باستعلاءوشراسة، فهو ينتقص منها ويقلل من قيمتها ويضخم عيوبها . . وقد يستخدم الاساءات اللفظية كالاستهزاء والانتقاص أوالسب والشتم أوالدعاء عليها بالسوء او الموت، ليضعفها وليجعلها تشعر بانها اقل مما يستحقه.
  • عاطفيا لا يُشعرها بالحب والأمان فهي في حالة خوف وحرب طوال حياتها، وتتوقع منه كل انواع الانتقام.
  • ماديا يشح ويضيق عليها ويمن في كل شيء واذا امتلكت شيئاً فلابد أن يستولي عليه عاجلاً أم آجلاً.
  • سلوكه تجاهها يسبب عدم احترام ابنائها لها، ولا تملك سلطة عليهم. فعجزها وضعفها يهدد سلوك الابناء فينشؤون بلا تربية ولا تقويم، وغالبا ما يقلدون شخصية وسلوك ابيهم.
  • نشأتها في بيئة تقوم على معتدي وضحية يجعلها تربي ابنائها وبناتها على مفاهيم هذا المجتمع فلا تحيد عنها فهي ستنشئ ابناءاً طغاةوومعتدين وبنات مستضعفات يقبلن بالظلم والاعتداء.

لماذا ينتشرهذا النمط السلوكي في المجتمع العربي؟

اسباب هذا السلوك العدائي لدى الذكور، قد تكون متعددة منها الصفات الجينية والاستعداد الوراثي، والاضطرابات العقلية والنفسية ، لكن الدور الاكبر يبقى للتربية والسلوك الجمعي في الحث عليه وتنميته، كما ان شكل العلاقات الاجتماعية وطرق العيش تساعد ايضا في تثبيت أسسسه. فنجده احياناً شائعاً لدرجة انه يمثل نمطاً اجتماعياً وثقافة مقدسةً متوارثةً لا يجوز الحيد عنها، خصوصا في العلاقات الاسرية.

فيشيع ويقوى في المجتمعات التي تتبع قوانين اجتماعية صارمة: كالاعراف العشائرية المتخلفة، أو التشدد الديني القائم على الجهل، أو الاعراف الاجتماعية في المجتمعات المغلقة، كل هذه المجتمعات تحكمها قوانين صارمة متوارثة غير قابلة للتغيير.

وهو ما ينطبق على المجتمعات العربية التي تحكمها الاعراف القبلية والدينية والاجتماعية ، فيتمتع الذكور بحصانة تامة ومكانة خاصة لمجرد كونهم ذكوراً، فيربى الذكرعلى التعظيم، كما يحصل على المهابة والتقديس من قبل والديه ومن حوله. فلا يؤدب ولايحاسب على تصرفاته ولا يقوم سلوكه مهما كانت سيئاً، بالاضافة الى تلقينه منذ صغره لكي يقوم باحتقار من هم اقل منه في الرتبة الاجتماعية كالاطفال والاناث، فيدرب على ممارسة السلطة عليهم ويحث على استخدام شتى انواع الاساءة تجاههم لضمان سيطرته عليهم وتسييرهم وفق اوامره، ويعتبر من الواجب تدريبه على قسوة القلب، بحثه على ممارسة تعذيب الحيوانات وقتلها. وغيرها من طرق التربية السيئة التي يظن انها تجعل منه شخصاً عظيماً وذو شخصية قوية ومهابة، لكنها في الواقع تجعله شخصيةً قاسية مضطربة نفسياً وعقلياً واجتماعياً، لا يملك ضميراً ولا رحمة تجاه الاخرين.

النظام الاسري الظالم هو اساس الفساد والدكتاتورية

ربما هذا يفسر سوء الاخلاق العام وسيادة الفوضى والظلم في بعض المجتمعات العربية التي تسود فيها الاعراف القبلية والتقاليد الاجتماعية والدينية القائمة على الظلم والجهل والتخلف، فيتربى الابناء على سوء الاخلاق، كالانانية والاعتداء على الاخرين وعلى ممتلكاتهم لاثبات قوتهم وللحصول على احترام المجتمع. فالاعتداء بالتنمر والسب والتشهير، وسرقة المال العام، واتلاف الممتلكات العامة، والابتزاز، والانتقام، وغيرها من الافعال المشينة يمارسها الابناء ويشجعهم عليها الاباء وتعتبر في نظرهم شطارة، في الوقت الذي يعتبر من يلتزم بحسن الخلق والأدب شخصا ضعيفاً لا قيمة له ولايحسب له حساب في المجتمع.

وبما ان الاسرة هي نواة للمجتمع، فصحة وسلامة النظام الاجتماعي الذي تقوم عليه الاسرة، ضروري ليصبح المجتمع صحيحا وسليما. اما اذا كانت الاسرة حاضنة لتنشئة طغاة ومعتدين، فلن يرتجى خير من افراده.

 

 

 

Advertisements